*الصحافي محمود غزيل:* استُشهدت الصحافية آمال خليل على يد الجيش الإسرائيلي. ثلاث غارات متتالية، بفواصل زمنية محسوبة. لم يكن ه

عاجل

الفئة

shadow
*الصحافي محمود غزيل:*

استُشهدت الصحافية آمال خليل على يد الجيش الإسرائيلي. ثلاث غارات متتالية، بفواصل زمنية محسوبة. لم يكن هذا خطأً عابراً، بل استهدافاً مُتعمداً لصحافية تحمل صوتاً لا سلاحاً.

نعم، كانت لآمال خليل مواقف سياسية حادة ومثيرة للجدل. نعم، آراؤها في الشهيد رفيق الحريري وأحداث 7 أيار - المنشورة منذ 6 و8 سنوات وليس مؤخراً - أغضبت شريحة واسعة من اللبنانيين. هذا صحيح، ولن أنكره.

لكن، وهنا جوهر المسألة. آمال لم تُقتل وهي تكتب منشوراً على منصات التواصل. لم تستشهد وهي تشتم خصومها السياسيين. سقطت وهي تقوم بواجبها المهني: نقل الحقيقة من قلب المعركة. سقطت صحافية، لا مقاتلة.
أختلف معها في قضايا كثيرة، وأتفق معها في أخرى. لكن هذا بالضبط ما تعنيه الديمقراطية وحرية التعبير.

حرية الرأي ليست رفاهية نمنحها لمن يُوافقنا، ثم نسحبها ممن يُخالفنا. هي حق مُطلق، حتى لو أصابتنا انتقادات لاذعة، حتى لو جرحت مشاعرنا أو أساءت لمن نُحب.

رسالتي إلى الغيارى: يجب أن يكون لديكم، كما لمعتقداتكم السياسية، جلد سميك. تحملوا النقد، واجهوا الكلام الجارح بالحُجة والعمل، لا بالتشفي عند سقوط صوت مخالف.

تخيل معي لو كان الأمر معكوساً. لو أن صحافياً من "المقلب الآخر"، متطرفاً في آرائه، مناصراً لكل ما تؤمن به، قد اغتيل أثناء عمله الصحافي المهني. ألم تكن لتستهجن؟ ألم تكن لتطالب بالعدالة ضد آلة القتل التي تُحطم لا الرموز الدينية فحسب بل كل قانون وعرف دولي؟

النفاق أن نطبّق معايير مزدوجة. الصحافي إما محمي في عمله، أو لا أحد محمي.

في هذه الحرب المسعورة فقط، سقط في لبنان أكثر من عشرة صحافيين بنيران إسرائيلية مباشرة.. متعمدة. من اغتيال الصديق عصام العبدالله إلى آمال خليل. وبينهما أسماء وقصص ودماء. آخرون أصيبوا، بعضهم عاد إلى الميدان على الرغم من الألم، وبعضهم بات معاقاً (جسدياً ونفسياً) مدى الحياة. كلهم يحملون آراء سياسية متباينة، ربما متناقضة، لكن جمعتهم مهنة واحدة: نقل الحقيقة. وفي كل مرة ينزلون إلى الميدان، يحملون أكفانهم على أكتافهم.

أقل ما يستحقونه منا الوقوف إجلالاً لعملهم. وتصوّر ولو للحظة أن العزاء قد يكون لنا نحن ولكم يوماً ما.

القذائف التي أسكتت صوت آمال خليل لم تكن موجهة لأفكارها السياسية. كانت موجهة لحقنا جميعاً في المعرفة، في كشف جرائم الاحتلال الإسرائيلي، في سماع الحقيقة ولو كانت مُرّة.

من يصفق اليوم لصمت صوت لا يعجبه، سيستيقظ غداً ليجد أن الصمت قد عم الجميع. وحين لا يبقى من يشهد، من سيروي قصتك أنت؟

الصحافة ليست رفاهية أو مهنة عادية. إنها ضمانة وجودية أن هناك من يشهد، من يوثق، بالكلمة بالصوت بالصورة، من يقول "حدث هذا" على الرغم من كل محاولات الطمس واختلاق الأكاذيب، فما بالكم بالنفاق الإسرائيلي؟

حين يسقط صحافي في الميدان، فهو يسقط وهو يحمل عنا جميعاً عبء الشهادة على التاريخ.

أقل ما نستطيع فعله، لا بل أقل واجب إنساني، أن نتذكر ذلك. أن نقول أسماءهم. أن نرفض التشفي والنفاق، ربما قد لا تدركون ذلك الآن، ولكن أنا صحافي وأفهم معنى ذلك تماماً.

آمال خليل سقطت صحافية. هكذا يجب أن نتذكرها.

الناشر

Hamza Aafara
Hamza Aafara

shadow

أخبار ذات صلة